محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
130
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
المعنوي ، فإن القائل ينفصل بصعوبة أكثر عن الفاعل - المرسل . إنّ العلاقة تغتني في الواقع بوظيفة جديدة . بمعنى أن فعل الحمد يفترض معنويا فاعلا مرسلا للنعم وعاملا مستقبلا ( أو مرسلا إليه ) لهذه النعم . وهكذا نصل إلى نموذج عاملي حيث يكون اللّه فيه هو العامل المرسل للنعم ، والذي يستقبل فعل الحمد والشكر . أما القائل فهو العامل الذي ترسل إليه النعم ، والذي يرسل فعل الحمد والشكر إلى اللّه . وهكذا نرى أن مفهوم العامل يلبّي بالفعل تلك الحاجة التي تدفعنا إلى تعيين جملة من الوظائف النحوية والمعنوية المنجزة من قبل « فاعل » واحد ، أو « ذات » واحدة . بما أن النصّ يمتلك مثل هذه البنية الملازمة أو المحايثة ، فإن مسألة المؤلّف لا تعود تطرح من خلال المفاهيم المعتادة . أقصد بذلك أنها لم تعد تشرط فهم النصّ كما كانت تفعل حتى الآن . فالنسيج اللغوي للنصّ يبلغ من الخصوصية حد أن المؤلّف ينبثق من خلاله بشكل من الأشكال ، ثم ينبني ويتشكّل كلما راحت عملية القول تتطوّر وتتقدّم . ما ذا يعني كل ذلك ؟ يعني أننا لم نعد بحاجة للانطلاق من المسلمات اللاهوتية الدوغمائية لكي نتحدث عن القرآن . ولكن على الرغم من ذلك فإننا سوف نلتقي بهذه المسلمات كلها على طريقنا ، أي في أثناء البحث المفتوح عن معنى النصّ . سوف نحتفظ حتى الآن من كل ما قلناه بما يلي : إن اللّه ( أو ال - لاه ) هو العامل المرسل - المرسل إليه رقم ( 1 ) . أمّا القائل - أي الإنسان - فإنه العامل المرسل إليه - المرسل رقم ( 2 ) . لنحاول الآن أن نرى كيف يتشكّل هذان العاملان من خلال التفاعل المشترك وتبادل المنظورات « * » . الأفعال في سورة الفاتحة : نلاحظ أن الأفعال قليلة في هذه السورة بالقياس إلى الضمائر . نجد أولا فعلين مصرّفين على طريقة الفعل المضارع وهما : نعبد ، نستعين . وصيغة الفعل المضارع تدل على التوتر ، وعلى الجهد الذي يبذله العامل رقم ( 2 ) لكي يصل إلى العامل رقم ( 1 ) « * * » . إنّ الفعل المضارع يدلّ على ديمومة هذا الجهد من أجل سدّ الفجوة الكائنة بين متكلّم يعترف بوضعه كخادم وضعيف « * * * » ، ومخاطب محدّد بكل إلحاح بصفته الشريك الأعلى الجدير بالعبادة ، والقادر في خط الرجعة على الشفقة والرحمة ( يدلّ على هذا الإلحاح
--> * المقصود أنهما يتشكلان من خلال التموضع بالقياس إلى بعضهما البعض ، وعلى مدار النص القرآني . * * العامل رقم ( 1 ) هو اللّه ، والعامل رقم ( 2 ) هو الإنسان كما أوضحنا سابقا . وهما يتبادلان الأدوار داخل النصّ القرآني . * * * المتكلم هنا هو الإنسان ، والمخاطب هو اللّه ، ومن الطبيعي أن يشعر الإنسان بأنه خادم وضعيف أمام اللّه . وهذه هي العلاقة التي أسسها القرآن ورسخها على مدار العصور في جميع المجتمعات التي انتشر فيها الإسلام .